الشيخ محمد هادي معرفة

22

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وصف بمزيّة وفضل فيه ، إلّا وتجد مرجعه إلى ذلك . وهذه جملة لاتزداد فيها نظرا إلّا ازددت لها تصوّرا وازدادت عندك صحّة وازددت بها ثقة . وإذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن ، وتشاهدوا له بالفضل ، ثمّ جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصا ، دون غيره ممّا يستحسن له الشعر أو غير الشعر ، ومن معنى لطيف أو حكمة طريفة أو أدب رفيع أو استعارة بديعة أو تجنيس أو غير ذلك ، فإذا رأيتك قد ارتحت واهتززت واستحسنت فانظر إلى حركات الأريحيّة ممّ كانت ؟ وعند ما ظهرت ؟ فإنّك ترى عيانا أنّ الذي قلت لك كما قلت . ثمّ اعلم أن ليست المزيّة في نفسها ومن حيث هي على الإطلاق ، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام ، ثمّ بحسب موقع بعضها من بعض ، واستعمال بعضها مع بعض . فليس من فضل ومزيّة إلّا بحسب الموضع وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤمّ . وإنّما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش . فكما أنّ الصابغ قد يهتدي في الأصباغ التي عمل منها الصور والنقوش إلى ضرب من التخيّل والتدبّر في نفس الأصباغ وفي مواقعها ومقاديرها وكيفية مزجها وترتيبها مالم يهتد إليه غيره فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب وصورته أغرب كذلك حال الشاعر والكاتب في اختيار نوع الكلمات والأساليب والتعابير . واعلم أنّ من الكلام ما ترى المزيّة فيه تتلاحق وتنضمّ بعضها إلى بعض ، حتى تكثر وتملأ العين ، ولذلك لاتُكبر من شأن صاحبه ولا تقضى له بالحذق والاستاذية وسعة الذرع والقدرة ، حتى تستوفى القطعة وتأتي على عدّة أبيات . ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة ، ويأتيك منه مايملأ العين فجأة ، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل وموضعه من الحذق وطول الباع . وأنّه من قبل ناطق فحل وخرج من يد صانع قدير . وما كان كذلك فهو شعر الشاعر والكلام الفاخر والنمط العالي الشريف ، والذي لا تجده إلّا في كلام الفحول البزل الملهمين إلهاما . « 1 »

--> ( 1 ) - دلائل الإعجاز ، ص 54 - 61 .